السيد محمد باقر الصدر

133

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

معرفة صحيحة وصادقة ، ولم يؤمن بغير تلك الأفكار الفطرية من الأفكار التي تنشأ بأسباب خارجية ، وكان من نتيجة هذا أن قسّم الأفكار عن المادّيات إلى قسمين : أحدهما الأفكار الفطرية ، كفكرة الامتداد . والآخر أفكار طارئة تعبّر عن انفعالات خاصّة للنفس بالمؤثّرات الخارجية كفكرة : الصوت ، والرائحة ، والضوء ، والطعم ، والحرارة ، واللون . فتلك كيفيات أوّلية حقيقية ، وهذه كيفيات ثانوية لا تعبّر عن حقائق موضوعية ، وإنّما تتمثّل في انفعالات ذاتية ، فهي صور ذهنية تتعاقب وتثور في دنيا الذهن بتأثير الأجسام الخارجية ، ولا يشابهها شيء من تلك الأجسام . هذا عرض خاطف جدّاً لنظرية المعرفة عند ديكارت . ويجب أن نعرف قبل كلّ شيء أنّ القاعدة الأساسية التي أقام عليها مذهبه ويقينه الفلسفي وهي : « أنا افكّر ، فأنا - إذن - موجود » ، قد نُقِضت في الفلسفة الإسلامية قبل ديكارت بعدّة قرون ، حين عرضها الشيخ الرئيس ابن سينا ونقدها : بأ نّها لا يمكن أن تُعتَبر اسلوباً من الاستدلال العلمي على وجود الإنسان المفكّر ذاته ، فليس للإنسان أن يبرهن على وجوده عن طريق فكره ؛ لأنّه حين يقول : « أنا افكّر ، فأنا موجود » ، إن كان يريد أن يبرهن على وجوده ب ( فكره الخاصّ ) فقط ، فقد أثبت وجوده الخاصّ من أوّل الأمر واعترف بوجوده في نفس الجملة الأولى . وإن كان يريد أن يجعل ( الفكر المطلق ) دليلًا على وجوده ، فهو خطأ ؛ لأنّ الفكر المطلق يحكم بوجود مفكّر مطلق لا مفكّر خاصّ ، وإذن فالوجود الخاصّ لكلّ مفكّر يجب أن يكون معلوماً له علماً أوّلياً بصرف النظر عن جميع الاعتبارات بما فيها شكّه وفكره .